حزب التوحيد العربي

Menu

مونودراما فلسطينية لرائدة طه على خشبة «مسرح المدينة»

تُقدم على خشبة مسرح المدينة في بيروت مسرحية «36 شارع عباس / حيفا» كتابة وأداء رائدة طه، إخراج جنيد سري الدين

تدور أحداث الحكاية حول عائلة الرافع الفلسطينية، التي بقيت في فلسطين وأصبحت أسيرة لقدرها بحيث اضطرت أن تحمل الجنسية الإسرائيلية بعد النكبة، وهي أيضاً قصة عائلة ابو غيدة الفلسطينية، التي طردت عنوة من حيفا العام 1948 إلى الشتات والتي لم تنفكّ تبحث عن وطن.

لكن بالنسبة لتلك العائلتين 36 شارع عباس هو الوطن. هو البيت والطفولة والذكريات وبحرها من على شرفة البيت.مونودراما أمراة فلسطينية، كتابة وأداء رائدة طه، إخراج جنيد سري الدين، يستكمل توثيق القصّة الفلسطينية عبر المسرح، مستعيداً وظيفة الرواية الفلسطينية الشفوية في الشتات، ودور المرأة في إحيائها ونقلها.

فالبيت في العرض، هو رمزية لعلاقة الفلسطينيين الملتبسة والممزقة بمكانهم.

الفلسطينيون الذين هجروا البلاد كما فعلت عائلة أبو غيدا المشتتة بين لندن وبلدان أخرى، وأولئك الذي بقوا في الداخل، يواجهون الاحتلال الاسرائيلي يومياً، ومع ذلك، بقوا مسكونين بجروج كثيرة إحداها السكن في بيت لا يعرفون من أصحابه سوى أسمائهم، ولا من أسلوب حياتهم سوى مقتنيات وتفاصيل كثيرة ظلت على حالها. منذ انتقالها إليه، عرفت عائلة الرافع أن البيت ليس بيتها. ورغم انقضاء سنوات طويلة 62 عاماً، فإنها لم تكد تمتنع يوماً عن تذكير عائلتها بهذا، مع جملتها المألوفة «الله يرجّعهن على بيتهن ويرجّع كل الفلسطينيين عبيوتهن». كأن تردادها المتواصل لهذه الجملة، قد حقق أمنيتها، وأمنية نضال وصديقتها سارة بطلتا العرض أخيراً بعودة أصحاب المنزل عام 2010. لهذا تبدو المرأتان سارة ونضال، في خيار واحد مسرحي، حكواتي، يعيد الاعتبار إلى المرأة الفلسطينية ودورها في قص الحكاية وصناعتها.

تجربة مميزة لرائدة طه، وتحاول تجديداً وبصوت عالي النبرة أن تخترق شيئاً عن السائد، وهذا ما فعلته في عملها في مسرحية ترتبط بالبيت الفلسطيني، بالقضية الفلسطينية وهي جرح، وهي احتلال إسرائيلي، وهي إعدام حرمة المنزل وحرية مدينة حيفا.

المهمة ليست سهلة، مونودراما تروي شفوياً جزءاً من التواريخ بدقائقها والجغرافيا المتنقلة والعنف الاسرئيلي في تهجير عرب العام 1948، وممارسة أشكال العنف والقسوة والصلافة على الذين فضلوا البقاء في منازلهم على الرحيل.

حيز مسرحي متقشف، رائدة طه وحدها على الخشبة بمواجهة الجمهور، لا مشاهد، لا الوان ولا شاشة، ولا تشاكيل، ولا كوريغرافيا حركية جسدية وصوتية ما خلا غناء النشيدين. كل العرض يقوم على الكلام المباشر، أو الدرامي، والجزء الكبير من النص الشفوي باللهجة الفلسطينية مفعم بنبرات الوصف والصور المتلاحقة، التي تصف البيت العتيق في حيفا وتراثه العربي والناصري والموروثات الفلسطينية في الملبس والمسكن والطعام والأثاث التراثي، والشرفة السحرية التي تطل على البحر.تدخل طه بيت «36 شارع عباس» وتفلش محتوياته أمامنا، لتبنيه مجدداً على الخشبة. تملأه بالأثاث وتعمّر جدرانه باللوحات والرسوم، وتستعيد أسماء وأصوات من سكنوا فيه، والأهم مشهد البحر الذي يسنده من الخلف. البحر الذي كان آخر ما رأته عائلة أحمد أبو غيدة لدى مغادرتها حيفا بعد سقوطها في 22 نيسان (سبتمبر) عام 1948. وتخبرنا طه: شاهد الناس «سفناً حاملة فلسطينيين رايحين، وسفناً حاملة يهود جايين». لا نعرف كم من الوقت بقي المنزل خالياً، منذ بدأ الاحتلال الاسرائيلي بتوزيع أملاك الفلسطينيين على المستوطنين، ليقع المنزل بيد رجل نمساوي يدعى أبراهام. ومنه سيشتري المحامي الفلسطيني علي الرافع شقة يسكن فيها مع زوجته سارة وإبنته نضال. وما يكسر إيقاع الحكاية ويشحنها، هو قرار عائلة الرافع بإعادة المالكين الأوائل إلى بيتهم.

جزء آخر من العرض هو الحنين والصمود في وقت يواجه فيه الفلسطينيون اليوم قرار المحكمة العسكرية العليا بإخلاء منازل عربية فلسطينية لصالح يهود سابقين في المحلة !

ساعة ونصف الساعة وأكثر مع ممثلة وصوت واحد بأصوات عدة.

إيقاع متواز سردياً، في سياقه، في عمل جارح، نافد، ينطلق من واقع الأمور الآن في حيفا وفي القدس، ويحاول أن يفككه ليتلاءم مع الواقع الذي يحمل الدعوة إلى العودة، والعودة الكثيفة، بكل ما يحمل ذلك من خوف للمستعمرين ويساعد المقيمين على الصمود أكثر بوجه الاحتلال وكسر جدار الخوف.

ساعة ونصف ورائدة طه على قوتها وتدفقها، وبأداء لا يخلو من ثقة غامرة واحترافية، وحيوية لم ترافقها مؤثرات، شبه غياب للشاشة والصور والإضاءة إزاء سطوة تدفق النص على التمثيل نسبياً، وغياب الصمت في العمل.. وكان يمكن الاستفادة من مؤثرات ما في فضاء بنائي وايقاعي حول النص السردي إلى حد كبير، والذي يجمع ما بين الحكائي والدرامي.

العرض طموح، والممثلة طموحة، وشكل العرض لحظات عالية وحية من الأداء الفردي، والحرفة والشغف، وعمل المخرج جنيد سري الدين ملتزم على نص مباشر من الواقع الحاضر في الصراع العربي – الاسرائيلي، ومن المسرح النضالي، باضافات شفوية على المستوى الدرامي، واعادة ترتيب البيت الفلسطيني على مستوى اللحظة. اللافت والجميل هو المستوى التعبيري عن أشياء المنزل وصوره، وما يستبطن عمق الذاكرة عن صورساكني المكان والشارع والأصوات. وكل ذلك بتقشف في الاكسسورات والمؤثرات. مع ذلك استطاعت رائدة طه أن تجسد مناخات الشارع والمدينة والمنزل بقوة تلك الأشياء والشخوص اللامرئية التي تتحرك في المكان وبالعواطف التي تسكنه والمستديمة، والتي تقاوم زمن المحتل الاسرائيلي وقسوته اللاإنسانية. كانت لحظات عالية وحنين قوي موصول بالارض، والفريق أعطى ما يستطيع من أداء وتنويع في الصوت وتمكن. لا أقول عملاً متفجراً.

Categories:   ثقافة

Comments

Sorry, comments are closed for this item.